في بلدٍ ينام ويصحو على صفيح ساخن، لا تُقاس الحياة بعدد السنوات، بل بالقدرة على اختلاس لحظة فرح من بين فكي الموت. في أروقة المدارس الرسمية التي تحولت إلى مراكز إيواء، وعلى متن دراجات نارية تقطع شوارع بيروت الغارقة بالدخان، يكتب اللبنانيون فصولاً استثنائية من "لوجستيات البقاء"؛ حيث تصبح النكتة سلاحاً، والرضا ملاذاً، والشهامة العفوية بوصلة لا تخطئ.
بين سكينة التلاوة ونرجيلة الصباح: "نجاح" تصنع من النزوح عائلة
صنعت نجاح لنفسها داخل المركز روتيناً بسيطاً يحفظ
توازنها النفسي
الصباح: تبدأ بوجبة الفطور (المعجنات) التي
تؤمنها إدارة المركز، تليها فقرتها المفضلة: "أهم شيء النرجيلة صباحاً، أشربها برواق وهدوء"
الظهيرة: تتوضأ وتأخذ بناتها للصلاة، وتملك
قدرة عجيبة على الفصل؛ فتنام ساعة في خيمتها وسط ضجيج الأطفال وكأنها في معزل عن
العالم
العصر: تصعد إلى الطابق الثالث لتلتقي
بـ"الحاجة مريم" ونساء آخرين، يقضين ساعة في قراءة الأدعية وسورة الفتح
وتصحيح التلاوة، وهي واحتها الروحية التي تعوضها عن مسجد الحسنين الذي اعتادت
ارتياده بجانب منزلها
هذا الهدوء انعكس على تعاملها مع الازدحام؛ فحين وقع
إشكال بين ابنتها "المشاغبة" وطفل آخر، وجاءت الأم الأخرى تصرخ، واجهتها
نجاح بابتسامة قائلة:
"تقبل الله يا حاجة.. هؤلاء أطفال يلعبون، فلا تدعي عقلك بعقل طفل"، ليفض الإشكال بسلام
خلف هذا الصمود تقف إدارة حازمة يترأسها شاب يدعى "محمد"، يمر على الخيام لضمان النظام والنظافة. وتثني نجاح على تنوع الوجبات التي تحول المركز بفضلها إلى عائلة كبيرة، يتنوع فيها الطعام بين الأرز، وسندويشات الفاهيتا، والهمبرغر، والمغربية، بينما يواصل زوجها السعي لتأمين مصاريف العائلة بعد انتقال عمله إلى منطقة أخرى إثر إغلاق محله عند طريق المطار
إذا كانت نجاح قد وجدت سكينتها في الصلاة والنرجيلة، فإن آخرين وجدوا في "الكوميديا السوداء" درعاً يحميهم من شظايا الخوف. في حوار عابر بين شاب وفتاة من أبناء العاصمة، تتجلى تفاصيل صغيرة تصبح محور الحياة في الحرب: الخوف من من القصف المرعب قبل أن تجبرها الغارات على الرحيل مجدداً.
حين يملّ الإنسان من الخوف
تختصر عبارة "فاتحين الطابق على الطابق"
التي يطلقها الشاب بتهكم مرير، حجم الدمار الذي خلفته الغارات على منطقة "فتح
الله". لكن خلف هذا السخرية تكمن حكاية عائلة واجهت الموت بالضحك بعد أن
نال
منها التعب
في الرابعة فجراً، استيقظت العائلة مذعورة على وقع
اهتزاز عنيف للمبنى إثر غارة قريبة. في تلك اللحظة، برزت طبيعة الإنسان الذي يملّ
الخوف ويزهد فيه؛ ينظر الشاب إلى عائلته المحلقة حوله ويقول ضاحكاً: "طلعت بالكل وقلتلهن بدنا نموت ولا شو؟ وحطيت
راسي وكفيت نومي!". تصرفٌ أثار قهر أهل بيته
المحتمين بالخوف، لكنه بالنسبة له كان حلاً نهائياً: "أنا خلاص، كنت سهران وتعبان"
هذا البرود لم يكن وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ
طويل مع الحرب؛ فحتى حين تطايرت الشظايا وقطع "الإسفنج" من غارة كورنيش
المزرعة لتستقر داخل شباك غرفته، واجه الأمر بضحكة مسترجِعاً ذكريات حرب سابقة
دُمر فيها منزلهم بالكامل. يتذكر حينها كيف قامت والدته قبيل الغارة بسحب المرايا
والفازات الزجاجية لتخزينها في مكان آمن خوفاً عليها، ويعلق متهكماً: "شكلها الفازات كانت أهم مني عندها!"
وسط هذه الأجواء المشحونة بالترقب، تبرز الذكرى
الأكثر عفوية والتي تحولت إلى نكتة يتوارثها الأبناء لمواجهة الموت: دعاء الجدة
الشهير. فبسبب كبر سنها، كانت تقلب الدعاء ليصبح -دون أن تدري- لصالح الأعداء،
فترفع يديها وتدعو قائلة: "الله
يهديكِ يا إسرائيل ويهدّ عدوينك"،
ليتحول هذا الدعاء المعكوس إلى جرعة ضحك يومية تهزم الخوف وتعيد الطمأنينة إلى
قلوبهم المثقلة بالحرب