صدى السواعد

حكاية العطاء في "مضيف القائم (عج)"

وسط غبار النزوح  و طنين المسيرات  تنبعث من جنبات "مضيف القائم" رائحةٌ مغايرة تماماً؛ رائحة تمتزج فيها حمرة الطماطم بذهبيّ الزيت، وتفوح منها كرامة أناسٍ رفضوا أن يتركوا أهلهم للوحشة والجوع. هنا، خلف كواليس الحوار المفعم بالحركة والصخب، لا تجد مجرد مطبخ إغاثي، بل خلية نحلٍ نابضة بالحب، تقودها سواعد نذرت نفسها لتطعم الأمل قبل الأجساد

ملحمة الرغيف و المذاق 

لم يكن الطعام يوماً في المضيف مجرد سدّ للرمق، بل كان رسالة مواساة تُصاغ بكل عناية. يتحدث القائمون عليه بقلوب حارة عن تلك التفاصيل اليومية؛ حيث تتدحرج حبات البطاطا المقرمشة، وتتصاعد أبخرة الفاهيتا والطاووق، وتتحمص أقراص الفلافل لتتحول كلها إلى سندويشات دافئة تُمرر بامتنان إلى العائلات النازحة

حين تطرق لغة الأرقام أبواب المضيف، تخلع عنها جفاف الإحصاء لتكتسي ثوب العطاء الشاهق. يتذكرون بزهوٍ كيف تجاوزت المناقيش عتبة العشرين ألفاً منذ أيام عاشوراء وحتى اللحظة. وفي الأيام العادية، تتراوح الحصيلة اليومية بين 1600 إلى 1700 منقوشة. أما في ذروة الملحمة، فإن المطبخ يتحدى نفسه ليسجل رقماً قياسياً برفع السقف إلى 3000 وجبة في اليوم الواحد، متجاوزين في مسيرتهم حاجز الستة آلاف من "عرايس الكفتة" الشهية

جغرافيا الأمل: تحت القصف 

لم تقف جدران المطبخ عائقاً أمام طموح هذه السواعد، بل تحولت إلى عربات تجوب الأرض وتطرق أبواب مخروبة. تحركوا بين ركام المدارس التي آوت آلاف المتعبين، متنقلين بين أكثر من عشرين مدرسة؛ من مدرسة "العاملية" العريقة، إلى "المقاصد"، وصولاً إلى "المدرسة الكويتية" التي شهدت على ثباتهم وصمودهم طيلة خمسة وعشرين يوماً متواصلة، دون أن ننسى مدارس "النويري" و"عبد السلام"

ولم تمنعهم خطوط النار من صعود القمم؛ فصعدوا نحو بلدة كيفون، ليحولوا حسينيتها وجامعها ومدارسها إلى واحات طمأنينة، مسجلين في يوم واحد هناك ملحمة كبرى: ألفا منقوشة في الصباح الباكر، تلتها ستة آلاف عروس كفتة غمرت القلوب بالدفء. ثم يمتد الخيط الإنساني نزولاً إلى عربصاليم بـ 1500 منقوشة وألفي وجبة فاهيتا، فضلاً عن المئات من الوجبات الساخنة التي وزعت هناك وفي الضاحية الأبية. وحتى صيدا، لم تسقط من حساباتهم، فوصلوا إليها متحدين الأخطار وتحت وابل القصف ليقينهم أن الجياع لا ينتظرون انتهاء الحروب.

ما وراء لقمة العيش: أرواحٌ تتكافل

تتسع دائرة الرعاية في المضيف لتلامس أدق تفاصيل اللجوء القاسية. فالطفولة المذعورة تحتاج حليبا وحفاضات، والأجساد المنهكة تترقب دواءً عزّ وجوده، وكل هذا كان يجد طريقه عبر المضيف بفضل أيادٍ بيضاء داعمة. وفي زاوية مضيئة من الحكاية، يبرز اسم الشاب "يوسف" كجندي خفي، يسعى في مناكب الأرض لتأمين البيوت وإيواء من تقطعت بهم السبل من العائلات النازحة.

كلنا نازحين عم  نواسي نازحين  

رغم ثقل الأمانة وفداحة الظرف، لم تغب البسمة عن الوجوه؛ فالحوار يتهادى بين ضحكات بريئة وممازحات تلطف قسوة الواقع. يتندر الشباب على نحافة "أبو هلال" التي تسببت فيها الحركة الدؤوبة والركض المتواصل بين القدور والمقالي، معلنين بلسان حالهم أن الروح التي تسخر من الألم هي روح لا يمكن أن تُهزم.

تنتهي الكلمات، لكن الموقد لا يزال مشتعلاً، والأكفّ ما زالت ترتفع إلى السماء عقب كل وجبة، تلهج بالدعاء بالنصر والفرج والتمكين لشبابٍ آمنوا أن إطعام الناس في الملمات.. هو أسمى آيات الجهاد والصمود.

قال بقلبٍ يملؤه التسليم والتحدي في آنٍ واحد: "بالنسبة للمقاومة، نحن ثابتون على خط السيد". لم تكن هذه مجرد كلمات عابرة، بل كانت تعبيراً عن عقيدة راسخة جعلتهم يواجهون ضياع منازلهم وأرزاقهم بشموخٍ غير مسبوق. واصل حديثه وكأن أصوات الانفجارات التي هجّرتهم لم تزده إلا إصراراً، ليردد بثقة من يرى الفجر من قلب العتمة: "الله ينصر المقاومة وينصر الجميع... والنصر آتٍ، آتٍ، آتٍ، فالنصر لله".

يقينٌ لا تكسره الحرب

وبالرغم من قسوة النزوح، وبرودة الجدران في مراكز الإيواء، ومرارة الفقد التي طالت شقاء العمر، إلا أن بريقاً من اليقين لم ينطفئ في عيون العائلة. وسط هذا الركام النفسي والمادي، وبنبرةٍ تلاشت فيها مشاعر التعب لتفسح المجال لصلابة الإيمان، التقط المتحدث أنفاسه ليوجه رسالة تتجاوز حدود المعاناة الشخصية البحتة.

Sample text. Click to select the وفي التفاتة تقدير إنسانية دافئة لمن يقف أمامهم مستمعاً وموثقاً لمأساتهم، أضاف مشيراً إلى أن مجرد وجود من يروي حكايتهم ويحمل صوتهم للعالم هو جزء من معركة الصمود هذه، قائلاً: "نحن في برّ الأمان الآن.. وهو يقف هنا ليحكي قصتنا، الله ينصره كمان معنا"

وهكذا، أسدل الستار على هذه المحطة من رحلة النزوح، ليس بدموع الانكسار، بل بدرسٍ بليغ في الصبر؛ حيث يتحول الوجع الفردي العميق والتعب الجسدي إلى أملٍ مطلق ويقينٍ بانتصارٍ قادم لا محالة.